الفيض الكاشاني

409

أنوار الحكمة

قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » : « الموت تحفة المؤمن » . وأمّا أهل النار إذا أبصروه يفزعون منه ويقولون : « لقد كنت شرّ وارد علينا ، حلت بيننا وبين ما كنّا فيه من الخير والدعة » ، ثمّ يقولون له : « عسى أن تميتنا فنستريح ممّا نحن فيه من المصيبة والعذاب » . قال : يدخل أهل الدارين فيهما ؛ السعداء بفضل اللّه ، وأهل النار بعدل اللّه ؛ وينزلون فيهما بالأعمال ويخلّدون فيهما بالنيّات . أقول : وتصديق هذا ما رواه في التوحيد « 2 » عن الصادق عليه السلام ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : « جاء يهوديّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وسأل عنه أشياء ، وكان فيما سأل أن قال : يا محمّد إن كان ربّك لا يظلم ، فكيف يخلّد في النار أبد الآبدين من لم يعصه إلّا أياما معدودة » ؟ قال : « يخلّده على نيّته ؛ فمن علم أنّ نيّته أنّه لو بقي في الدنيا إلى انقضائها كان يعصي اللّه - عزّ وجلّ - خلّده في ناره على نيّته ، ونيّته في ذلك شرّ من عمله . وكذلك يخلّد من يخلّد في الجنّة بأنّه ينوي أنّه لو بقي في الدنيا أيّامها لأطاع اللّه أبدا ، ونيّته خير من عمله » . فبالنيّات يخلّد أهل الجنّة الجنّة ، وأهل النار النار ، واللّه عزّ وجلّ يقول : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا [ 17 / 84 ] . قال صاحب الفتوحات « 3 » : « فيأخذ الألم جزاء العقوبة موازيا لمدّة العمر في التنزّل في الدنيا « 4 » ؛

--> ( 1 ) جاء بلفظ : « تحفة المؤمن الموت » في الدعوات للراوندي : الباب الرابع ، ذكر الموت : 235 . عنه البحار : 82 / 171 . كنز العمال : 15 / 546 ، ح 42110 . ( 2 ) الحديث موجود في بعض نسخ المصدر ، راجع التوحيد : 399 الهامش . وقد جاء ما يقرب منه عن الصادق عليه السلام ، راجع الكافي : كتاب الإيمان والكفر ، باب النيّة ، 2 / 85 ، ح 5 . والعياشي : أسرى / 84 ، 2 / 316 . عنه البحار : 70 / 201 و 209 . ( 3 ) الفتوحات المكية : 2 / 648 ، الباب التاسع والثمانون ومائتان ، مع بعض الفروق والتلخيص . ( 4 ) المصدر : في الشرك في الدنيا .